محمد بن جعفر الكتاني

46

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

قال : « ويؤيده : كلام ابن فرحون الآتي - أي : في كلامه - من أن مالكا يفرق بين من يكره له الدعاء تجاه القبر الشريف ، - أي : وهو من لا يعلم ما يدعو به ولا يعلم آداب الدعاء - ومن لا يكره له - أي : وهو : من يعلم ذلك » . قلت : وظاهر كلام غير واحد : إطلاق الكراهة ، سيما وقد عللها صاحب " المدخل " بمخالفة السنة ، والشيخ زروق : بأن ذلك من فعل النصارى . فتأمل . . . واللّه أعلم . نعم ؛ ذهب جماعة من العلماء إلى الجواز من غير كراهة ؛ منهم : الإمام أحمد والمحب الطبري وابن أبي الصيف اليماني من الشافعية ، واختاره غير واحد . وفي " فتح المتعال " للإمام المقري بعيد ما مر عنه قريبا ما نصه : « وقال الحافظ زين الدين العراقي : وأما تقبيل الأماكن الشريفة على قصد التبرك ، وأيدي الصالحين وأرجلهم ؛ فهو حسن محمود باعتبار القصد والنية . وقد سأل أبو هريرة الحسن - رضي اللّه عنه - أن يكشف له المكان الذي قبله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو سرته ؛ فقبلها تبركا بآثاره وذريته صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد كان ثابت البناني لا يدع يد أنس - رضي اللّه عنه - حتى يقبلها ويقول : يد مست يد رسول اللّه صلّى اللّه وسلم . وقال أيضا - يعني : العراقي - أخبرني الحافظ أبو سعيد ابن العلاء قال : رأيت في كلام ولد سيدنا أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ أن الإمام أحمد : سئل عن تقبيل قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم وتقبيل منبره ؛ فقال : لا بأس بذلك . قال : فرأينا الشيخ تقي الدين بن تيمية فصار يتعجب من ذلك ويقول : عجيب ؛ أحمد عندي جليل لا يقول هذا . هذا كلامه أو معنى كلامه . قال : وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصا للشافعي وشرب الماء الذي غسله به ، وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم فكيف بمقادير الصحابة ، فكيف بآثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؟ ! ! ! . ولقد أحسن مجنون ليلى حيث يقول : أمر على الديار ديار ليلى * أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا " انتهى " وقال المحب الطبري يمكن أن يستنبط من تقبيل الحجر واستلام الأركان : جواز تقبيل ما في تقبيله تعظيم للّه تعالى ؛ فإنه إن لم يرد فيه نص بالندب لم يرد بالكراهة . [ 45 ] قال : قد رأيت في بعض تعاليق جدي محمد بن أبي بكر عن الإمام أبي عبد اللّه محمد ابن أبي الصيف أن بعضهم : كان إذا رأى المصاحف قبلها ، وإذا رأى أجزاء الحديث قبلها ، وإذا رأى قبور الصالحين قبلها . . . قال : ولا يبعد هذا - واللّه أعلم - في كل ما فيه تعظيم للّه تعالى . . . » .